ومن أسباب النجاة من الفتن الفزع إلى الصلاة والعبادة والدعاء. قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ). ولما اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فزعاً قَالَ: (سُبْحَانَ اللهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ- يريدُ زوجاته لكي يصلين- فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ). ولما نزلت الفتنة بعثمان بن عفان رضي الله عنه في مقتله، دخل عليه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ، وَهُوَ مَحْصُورٌ في داره، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِمَامُ الْعَامَّةِ، وَقَدْ نَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، ويُصَلِّي بِنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ، ونتَحَرَّجُ مِنَ الصَّلاةِ مَعَهُ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: (إِنَّ الصَّلاةَ أَحْسَن مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ، فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ) وقال صلى الله عليه وسلم: (العبادة في الهرج كهجرة إليّ)... ومن الوسائل المشروعة تجاه الفتن: كف اليد واللسان .. يقول صلى الله عليه وسلم: (وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ). وقد ذكر العلماء حرمة بيع السلاح حال الفتن وهذا من كف اليد.. قال الحسن رحمه الله عن الفتن: (وما الخروج منها كيوم دخلوا فيها إلا السلامة، فسلمت قلوبهم وأيديهم وألسنتهم). وقال عليه الصلاة والسلام: (من صمت نجا)، ولما سئل أحد السلف عن القتال الذي حصل بين الصحابة رضي الله عنهم قال: (تلك دماء طهر الله منها أيدينا، أفلا نطهر منها ألسنتنا؟!). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف أنت يا عبدالله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس؟ قال: قلت: يا رسول الله، كيف ذلك؟ قال: (إذا مَرِجت عهودهم وأماناتهم، وكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه)، قال قلت: ما أصنع عند ذاك يا رسول الله؟ قال: (اتق الله عز وجل وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، وتدع عوام الناس).
ومن أسباب النجاة من الفتن: الحذر من المنافقين حال الفتنة وغيرها، من المخذلين والمرجفين والمصطادين في الماء العكر ممن وصفهم الله بقوله: (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ)، ولا تستغربوا أن يكون هؤلاء المنافقون المندسون من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وهم في الحقيقة دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها.
ومن الوسائل المشروعة: الصبر على البلاء، يقول تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ). وقال صلى الله عليه وسلم: (لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة). فأعدوا للبلاء صبراً.
ومن ذلك: الأخذ على يد الظالم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ)... ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فهذا الركن هو صمام الأمان من الفتن، وبفقده تتحول النعم وتحل النقم.. ومن أسباب النجاة من الفتن: الائتلاف والاجتماع على كلمة الحق، وعدم التفرق والشتات، ووزن الرايات المرفوعة حال الفتنة بميزان الشرع إنَّ أهلَ الإيمان لا تزيدهم الأحداث إلا صلابةً في دينِهم وثباتاً على إسلامهم، لا تزحزِحهم الأحداث ولا تسلُّطُ الأعداء، ولا يضعف الإيمان، بل يقوى اليقين ويقوى الإيمان. قال تعالى عن أصحاب نبيه وقد أصابهم ما أصابهم يوم أحد: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـانا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) يعلَمون أنّ الأعداءَ يرجفون بهم، ويثبِّطون هممَهم، قال الله تعالى: (إِنَّمَا ذلكم الشَّيْطَـان يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ). أهلُ الإيمان حقاً يعملون بما دلّ الكتاب والسنة عليه؛ أنَّ النصرَ لأهل الإسلام والعاقبة للمتقين، قال تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) فإذا وُجِد الإيمان الصادق فلأهل الإيمان التمكين والنصرُ والتأييد (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّـالحُونَ)
اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين يارب العالمين.. اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن بأموالنا وأولادنا وأزواجنا وشهواتنا وحظوظ أنفسنا يا رب العالمين... اللهم أطفئ نار الفتن والمصائب والخلافات والمنازعات بين المسلمين وأخرجهم من هذه المحن، وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم، وردنا وإياهم إليك رداً صحيحاً جميلاً يا ذا الجلال والإكرام.
0 التعليقات :
إرسال تعليق